محمد بن محمد ابو شهبة
591
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
للناس » قالت عائشة : فأجلسناه في مخضب « 1 » لحفصة ، ثم طفقنا نصب عليه الماء حتى طفق يشير إلينا بيده « أن فعلتن » . فوجد من نفسه خفة ، فخرج على الناس ، وهم يصلون الظهر وهو يهادى بين رجلين ، فلما راه أبو بكر أراد أن يتأخر ، فأومأ إليه أن مكانك ، ثم جلس إلى جنب الصدّيق ، فجعل أبو بكر يصلّي بالناس قائما ، والرسول يصلّي وهو قاعد ، فمن قائل أن رسول اللّه صلّى مأموما وراء أبي بكر ، ومن قائل : إن رسول اللّه تولّى الإمامة ، وصلّى أبو بكر بصلاة النبي ، وصلى الناس بصلاة أبي بكر ، ولعل الأول أرجح لأنه أدلّ على منزلة الصديق وأحقيته للخلافة « 2 » . وكانت هذه اخر صلاة صلاها رسول اللّه مع المسلمين ، ثم صعد المنبر ، فكان أول ما ذكر - بعد حمد اللّه والثناء عليه - أصحاب أحد ، فاستغفر لهم ودعا ثم قال : « يا معشر المهاجرين ، إنكم أصبحتم تزيدون ، والأنصار على هيئتها لا تزيد ، وإنهم عيبتي « 3 » التي أويت إليها ، فأكرموا كريمهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم » ثم قال : « أيها الناس : إن عبدا خيّره اللّه بين الدنيا وبين ما عند اللّه ، فاختار ما عند اللّه » ففهمها أبو بكر من دون الناس فبكى ، وقال : بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا وأموالنا ، فعجب الناس لبكائه ، فكان المخيّر هو رسول اللّه ، وكان أبو بكر أعلمهم بذلك فقال له رسول اللّه : « على رسلك يا أبا بكر » « 4 » ثم قال : « إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر . ولو كنت متخذا من أمتي خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر ، ولكن خلة الإسلام ومودته « 5 » . لا يبقى في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر » . ثم قال : « وإن قوما ممن قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ،
--> ( 1 ) مخضب : طست . ( 2 ) البداية والنهاية ، ج 5 ص 234 . ( 3 ) عيبتي : خاصتي وموضع سري . ( 4 ) تمهل في البكاء حتى لا يسترسل الناس في البكاء . ( 5 ) صداقة الإسلام ومحبته .